
إنها مجرد قصة..
لا شيئ آخر يمكنني أن أضيفه!
قصة كتبتها ونسيتها.. واليوم أردت أن أعلنها ضربة حرة!!
( طابت أيامك بمباهج لا تُحصى يا سارة
قبل كل شيء، بالطبع سيسعدني كثيرا أن أراك
ابعثي صورك ولا تترددي ولو لبرهة
سيسعدني أن نراها معا أنا وظلي
وأعدك لن يراها جاري الذي يزعجني بعزفه
وسيكون هذا سببا كافيا لموت أصابعه )
وصلت البيت متأخرة، كان طريق الجسر مزدحم، الساعة الآن تشير عقاربها إلى أنها العاشرة والنصف، أدرت رقم هاتف معاذ أبن الجيران، مرتبكة، معدتي تؤلمني، رأسي تتساقط منه الصور، وحكايات بندر وهو يشد عباءتي بلا اكتراث وسط الجامعة، ضاحكاً عليّ، ولاعناً السواد الذي يخفي ملامحي، أتململ من شعري ومن الوقت، ومن لعبة شد الحبل، البرد يضعني في حيلة مع ذاتي، أتجمد من الضجر ومن الثلج الذي يرفض أن يتحرك من على جدار قلبي!
لم يكن هناك برد أو حتى لفحة هواء، لكني كنت أتخيل هذا، لفرط شعوري بالوحدة، الوحدة تجمدني.. تشعرني بأني سأموت قريباً!
تربطني بمعاذ علاقة إستثنائية، كما هي علاقتي مع كل أبطال الأفلام السينمائية التي احضرها، ممتعة ومؤثرة وعميقة، لا أستطيع تحديداً تفسير المشاعر التي تنتابني، كلما عاد معاذ من إحدى رحلاته، يعمل كطيار مدني على متن الخطوط السعودية، ويعيش كعادة كل الطيارين في جّدة، لكنه في كل مرة يحصل فيها على إجازة لأيامِ طويلة، يأتي مسرعاً إلى بيت عائلته في الخبر، يرتبط معاذ بعلاقة قوية مع والداته. يأتي إليها ليرتاح، وليفك أزارير قمصانه، لتغسلها بقلبها وروحها، لم أفكر مرة واحدة، إذا ماكان يأتي لأجلي، ما يهمني هي فكرة وجوده بالقرب مني، أما الأسباب التي تدفعه للمجئ، فهذا الأمر مؤجل بالنسبة لي .
أعترف أني خرجت مع معاذ داخل وطني مرتين وربما أكثر، ذهبنا إلى أحدى المقاهي الجميلة في مدينتي، لكننا قررنا بعد شعوري المتكرر بالآلام في معدتي، هذا الشعور يصاحبني حينما أمر في مرحلة من الخوف، لاحظ معاذ خوفي الشديد، وعدم شعوري بالراحة، في كل مرة يدخل بها أحد إلى المقهى، يبدأ العرق ينز من جسدي دفعة واحدة، قررنا أن تكون لقاءاتنا كلها في البحرين، نختار منتصف أيام الأسبوع، حيث تقل نسبة حضور السعوديين، نلتقي في إحدى المقاهي، أعتدنا على أختيار مقهى جميل، ولا يمكن لأبناء وطني معرفته، أو حتى عائلاتنا.
كم مرة تبادلنا القبل، عدة مرات لكنها ليست كثيرة، لم أرتاح لفكرة تبادل القبل مع صديق.
أنت صديق يامعاذ.. مجرد صديق.. أركن إلى حجرك.. حينما تضيق بي كل حجرات بيتنا الكبير..
هذه الكلمة لخصت علاقتي به، أشتاق لمزيد من القبلات وأن يتحسس أحد ما جسدي، كأي فتاة في عمري، لكني أعجز عن تجاوز الفكرة، لأنها ستصبح علاقتي بمعاذ في مهب الريح، وأنا احتاج لصداقته، وربما هو يحتاج للأثنين معاً، لجسدي وصداقتي!
أدرت رقم هاتفه النقال، لكن هاتفه مغلق، لا تتعبي نفسك ياسارة، لقد أغلق هاتفه، ربما هو في مزاج سئ، هكذا حدثت نفسي، لم أعرف معاذ بأي مزاج، غير مزاجه العلني، أنه مثل نسرين بغدادي بمزاج واحد على الدوام، طيلة معرفتي الطويلة به، لم أرى معاذ في حالة مختلفة، أعتدت أن اراه شاباً عادياً، بعض المنغصات في حياته، خيبات بسيطة، ملل أو ضجر من الرحلات، ربما مر معاذ في علاقات عديدة ومتنوعة، مع المضيفات اللاتي يعملن معه في ذات الخطوط، لكنه لم يخبرني مرة واحدة عن أي تجربة صرعت مشاعره، ربما لأنني كنت أنانية جداً في علاقتي معه، في إحتوائه بصورة مجنونة، لم أكن أجد الوقت الكافي لكي أستمع له، تخيلت أن الله قد خلق معاذ، كي يستمع لسيرة حياتي اليومية، لا لأشاركه حياته.
لا يزال هاتفه النقال مغلق، هل أشتقت له، لا.. لكني بحاجة إلى أذنيه، وبحاجة إلى همهماته التي تسكنني بقوة. غرفته تقابل غرفة نومي مباشرة، كانت لأخته التي تكبره لكنها تزوجت من شاب ورحلت معه إلى الرياض، وحينما ألتقينا وتعارفنا كأي جارين يبحثان عن علاقة مريحة، وعلاقة بها الكثير من الطمأنينة، أصر على أن يغير غرفته ( لا تعرف عائلتي حتى الآن إن غرفتي تطل على غرفة معاذ) وضع والدي كعادة كل السعوديين حاجز كبير، كي لا يطل بيتنا على ساحة الجيران، لكننا أيضاً تغلبنا على هذه المشكلة، وأصبح بإمكاننا أن نرى بعضنا البعض، رغم وجود هذا الحاجز المعدني. تحايلت على والدي حتى يكون الحاجز أقصر، ووافق بعد أن شعر بأني سأختنق لوجوده.
ظللت حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وأنا أحملق في شباك غرفته، حتى فجأة لمحت جسد معاذ يترائ لي عبر نافذته الزجاجية، أزاح الستارة وأشعل الضوء الأصفر، فزعت من مكاني، وبدأت في الصراخ له، معاذ.. معاذ.. وحركت له هاتفي الذي كنت أحمله بيدي.. أرجوك أفتحه.. أفتحه، لم يتنبه لي.. لا أعرف ما لذي فعلته، حاولت أن ابحث عن قطعة معدنية من النقود كي أقذفها على نافذته ليتنبه لوجودي، تذكرت أن لدي قروش بحرينية فئة المائة فلس، حذفت أول قطعة تجاه نافذته، تك.. تك..، الفلس الآخر، تك .. تك.. بدا الصوت عالياً.
بهدوء شديد تحرك جسده تجاه نافذة غرفته، سمعت صوت صرير الشباك، قلبي بدأ يدق، يدق في أذني وقدمي، وحتى يصل إلى أن يدق في شفتي، حينما أحتاج لشخص حميم، تصيبني قشعريرة، تباغتني حمى عنيفة، هي ذاتها، حينما أدخن الأركيلة، على معدة خاوية من الطعام!!
لأول مرة أرى وجه معاذ واجماً..
لأول مرة أرى معاذ تائهاً وبعيداً عني..
معاذ شو صاير.. قلتها وأنا أعتصر، شعرت بأنانيتي المفرطة، والتي كنت أهرب دوماً من مواجهة نفسي بها، أني دائماً أريد من معاذ أن يظل بحال جيدة، لأنني أحتاجه أكثر مما يحتاج هو نفسه، قلت هاتين الكلمتين وضغطت على شفتي، أعدتهما مرة أخرى. وكأني أوهم نفسي بأنه لم يسمعني جيداً، لم يعد قادراً على أن يستمع لي كما كان في السابق!
لم يفتح فمه، وظل ينظر إليّ وكل ما فيه يخبرني، أن معاذ يمر بمرحلة تهلكه وتصرعه.
" هل أنت مريض..؟!" تساءلت إذا لم يعرف ما حل بي خلال رحلتي إلى لوس أنجلوس وتوقفي الغير معلن في لندن؟"
دقيقة.. نصف دقيقة أخرى.. وتغمرهما خمسة عشر ثانية.. لا أزال مكاني.. أشعر بالبرد، أشعر بأني بحاجة إليه، كل شيء في داخلي قد أستيقظ، الورد في حوض قلبي، نبت بسرعة، لم يحتاج إلا لنقطة عرق سقطت فجأة من رأسي ولساني، ونبت الحوض بأكمله، ربما أخطأت حينما أخبرتك أن علينا أن نبقى أصدقاء، إني بحاجة إليك، إلى قبلاتك التي لم أعد أعرف طعمها، كنا قد تبادلنا القبلات سريعاً، ولم أحظى بذاكرة ضوئية لتبقيها، لم يكن أحد بجوارنا، وكنا مأخوذين باللحظة، بالشعور الجميل الذي أنتابنا فجأة وبدون مقدمات، فأنشغلنا بتحسس شفاهنا، كنت أريد أن اكتشف أن في حياتي قارة يمكنني أن أغوص عميقاً داخلها، دون أن يكشفني أحد، والآن لم أعد أتذكر قبلاتك السريعة الشهية، أجبرتك على التوقف، رغم أني لم أكن أريد ذلك، كل ما حدث أن عليّ أن أتصرف، وفق القاعدة التي ترسمها كل الفتيات، كي لا ينكشف عهري أمامك، كلنا عاهرات، وكلنا نشتهي القبلات والحب، وحينما نكون أمامه، يتوجب علينا رفضه، وعلينا أن نجيد مثل هذا الأدوار، وكنت أرفضك لأني أشتهيك، وأرغب بك.
أنا أعتذر هل يمكننا أن نكون أصدقاء، ونقبّل بعضنا البعض، بلا خوف أو وجل، ودون أن تتهمني بأني قضيت على عذريتك الذكورية!
أدرت رقم هاتفه وأضطر معاذ لأن يرد عليّ..
أنا متعب هل يمكن أن نؤجل الحديث ليوم آخر..هكذا حدثني بإغتضاب موجز.
بالتأكيد كما تريد..
أغلقت ستارة غرفتي وأنا أعتصر، الآن لم أعد استطيع أن أرى معاذ، هذه المرة الأولى التي أراه فيها بمزاج آخر، مزاج يشبهني جداً، هل يمكن أن يتحول معاذ إلى صورة أخرى لسارة.
بعد خمس دقائق.. أعدت فتح درفة ستارة النافذة، التي تطل على غرفته. الضوء الباهت يغمرني، ستائره التي تميل إلى اللون الأحمر، تفرش أذرعتها في قلبي، وقفت طويلاً، لا أذكر كم مضى من الوقت وأنا أنتظر مرور ظله، لكنه ظل مسترخياً على سريرة لم يتحرك.
تك.. تك.. تك..
قرش أخير أقذفه على نافذته..
معاذ .. أحتاجك.. أرجوك!!
لكنه لم يجبني..







))




























































06 يناير, 2008 10:13 ص