إهداء إلى سارة التي كتبت تقول لي أنها اشتاقت لما أكتبه .. كتبت هذه المرة من أجلها ومن أجل روحها ..
قررت اليوم أن أذهب إلى الصالون، سأعيد لون شعري إلى ما كان عليه قبل ثلاثة أشهر، مللت من هذا اللون الذي أعجب جميع زميلاتي بالصف، حيث كنا ندرس اللغة الإنجليزية، لم نكن فقط ندرسها وإنما كنا نشترك في مادة مخصصة في كيفية قراءة القصص للأطفال. تخلصت من الصف المربع الشكل، ومن الكرسي الخالي الذي يقع على يساري، ومن زميلاتي اللاتي لا أعرف كيف سأتعامل معهن الآن.
منذ ليلة البارحة وأنا أحاول أن أتذكر المصابيح اللاتي كن يحملنها في قلوبهن، فلكل امرأة مصباحاً خاصاً بها، من خلاله يمكنك أن تتلمس ملامحها لتدرك الماضي الذي الذي كانت تعيشه، والحاضر الذي عليك أن تعرفه وأن تتقبله دون سؤال عن كيفية تغيير هذا الواقع. إنها عشرون يوماً فقط مضت منذ أن تخرجنا من المعهد، حتى بدأت الأسماء تسقط من رأسي، فنسيت تلك الدروب الطويلة التي كنا نسلكها لكي نصل إلى الكافتيريا التي تقدم الطعام الهندي بأسعار معقولة، وإلى ذلك المقهى الذي تضطر لأن تقف على قدميك طويلاً، في إنتظار أن تحصل على نصف كرسي لتستمتع بشرب الشاي بالزعفران والشطائر المحلاة، في أجواء تشتعل فيها الأغاني الفارسية، والأصوات وهي تتشابك بلغات مختلفة.
عشرون يوماً ولم تتبقى منهن سوى روائح عطورهن النفاذة، وثقافتهن الضحلة وهي متمسكة بالتساؤل الملحّ عن مستقبل يشبه حلوى البوب، وحفائظ الأطفال التي سيرتفع سعرها، والفساتين اللاتي يرغبن في إبتياعها عبر مواقع الأنترنت. لكني دوماً سأتذكر علب الشوكلا اللاتي كنا يضعنها فوق طاولة الصف، وكنا نتسابق في الحصول عليها. حيث اكشفت حينها أنني لم أعشق الشوكلا يوماً، رغم أن تاريخي الصغير يؤكد للجميع أنني كنت في الأصل حبة شوكلا.
ما أن تخرجت من المعهد حتى قررت السفر في ذات اليوم، لكي أهرب من فتنة الوداع والمسامح كريم، وخلينا على تواصل، وأرجوك أن تحللني لأني ثلاثين مرة صرخت في وجهك دون وجه حق. حينما قررت السفر قررت أن أنهي حجم الحب الذي كنّ يتسلين بالحديث عنه، لم أكن أرغب في أن تلاحقني أي نوع من الذكرى. وحينما وصلت إلى لندن في الساعة السادسة والنصف مساءً، حتى وجدتني في الثامنة في المتجر القريب من الشقة، أبتاع خمس علب من الشوكلا بطعم النعناع والبندق. تذكرت أنني لربما لن آكل أي قطعة من هذه العلب، ولكن شعوراً قوياً تمدد ظلاله بداخلي، أنه لن يكون هناك سباقاً عنيفاً في الحصول على قطعه واحدة، كما وأنني لن أشعر بأن هناك من يحكم قلعة رأسي أو يتسلى بتحريك قطعة الفيل من على قلبي. ستكون العلب موجودة، وسيكون هناك تحدي واحد فقط هو مع نفسي!
لذا حينما استيقظت اليوم من نومي وجدت أن قلبي تحول إلى وردة، وأن يومي بدا عادياً، الستائر لا تغطي كامل النافذة، والكتب كعادتها تناثرت أمام الصوفا الوحيدة، كما وأن الطاولة الخشبية اكتظت بأقلام الحبر التي أهداني أياها صديق والدي الأستاذ محمد بن توفيق دون سبب. كنت أقف خجلى أمام عائلته في وسط لندن، مسد على شعري وقرص خدي وأشار إلى كيان ابنته، بأنه يمكننا أن نقضي ساعات من الوقت وحيدتين دون رقابة، وأنه يمكن لنا أن نطلب الشاي والكعك من المقهى الواقع على الشارع المقابل للشقة على حسابه. ضحكت كيان فقد كانت تأمل أكثر من الشاي والكعك. ولكن أقلام حبر العم توفيق لاتزال معي، والرواية التي تحملها كيان للكاتب الفرنسي جيل لوروا " ألاباما سونغ" تحرك بي مشاعر كثيرة، حيث عرفت أن الروائي الذي أصدر روايته الأولى Habibi، يشبهني إلى حد كبير فقد كان لوروا يكثر من أسفاره للتعرف على ثقافات وآداب الشعوب الأخرى، كما كان واقعاً في عشق الروايات الأمريكية واليابانية مثلي تماماً. حتى أنه تأثر بها وترجم تأثره في أكثر من عمل وخصوصاً في رائعته Alabama Song.
وحينما أعود إلى حياتي التي ستصبح هذا اليوم عادية، فأنا لا أحتاج زخم نون النسوة اللاتي شاركن حياتي لستة أشهر، وكنت أعمد طوال فترة وجودي معهن على المكاشفة والمصارحة، حيث كنت متأكدة أنني لن اجبر يوماً على البحث عنهن، من دون إبداء أي أسباب، ذاكرتي لم تعد تستوعب العطور وحفاظات الأطفال وحليب كامل الدسم أو كعوب الأحذية الذهبية، إنني أشتاق لأن أعود لعالمي، وكيان تأتي في رأسي تشغلني ابتسامتها العذبة، ولون الروج الغامق الذي كانت ترطب به شفتيها، وحديثنا عن الأدب والفن وجوائز "غونكور" المرموقة.
حينما استيقظت من النوم وتحركت من الفراش، لاحت في رأسي صورة الدكتور خالد ياسين التقوي الذي درسني المسرح لستة أسابيع، وعاد بعدها إلى حيث أتى مع زوجته السويدية، لا أعرف سمعت أنه ذهب إلى الكويت لثلاثة أشهر وبعدها غادر إلى تونس ليلقي محاضرة لأسبوعين، وأخيراً تنوعت أخباره مابين إقامته في هولندا وباريس حيث يود أن يمضي حياته الأخيرة في إحداهما. يأتي الدكتور خالد في رأسي لأنه الوحيد الذي مل من كثرة أحاديثي عن رغبتي في أن أتحول إلى رجل، ولكني كنت أقول له وأنا أتنفس الصعداء" أود أن أكون شاباً وسيماً .. لكني لا أرغب بأن أعيش تجربة حب مع أمرأة ابداً". كان يضحك بصوت عالٍ، ضحكاته تجلجل المكان، حتى يشعرني بالخجل من البوح برغباتي أمامه فقد كنت أمارس الصدق معه دون خوف، فلماذا إذاً يضحك على صراحتي؟
في الصالون الذي أعتدت الذهاب إليه، أحلم بأن أجد حلاقة تشبه الفنانة الأمريكية "كوين لطيفة" في فلمها الجميل، حيث تمارس غواية الضحك مع زبائنها والحديث عن الرجال والتهكم عليهم. لكن الصالون الذي أمدد فيه قدمي، صغيراً ذو نوافذ بيضاء واسعة وسراميك مصقول، وأدوات نظيفة ومنظمة داخل دواليب البلاستيك، وحلاقات يدلكن ظهرك حينما تشعر بالنعاس. أشرت للحلاقة "هذا هو اللون الذي أريد"، قلتها بشجاعة ودون تردد، في العادة أظل لخمس وعشرين دقيقة أقلب ألوان الصبغات، كما وأني أشغل الشابات القادمات إلى الصالون في اختيار اللون. لكن اليوم لأنه يوماً عادياً خالياً من ضجر نون النسوة، ولأنه يومي أنا، فقد استطعت أن اختار ما أريد، وأفكر بشقة أختي الجديدة التي ستشتريها في شنغهاي حيث ستمكث بها خمسة أعوام، وستعمد على تجديدها عبر طراز الفن القديم "آرت ديكو"، وبدأت أتخيل فكرة وجودي برفقة أختي وهي تشرف على تركيبات الإضاءة الأصلية التي ستبتاعها مع مصمم شقتها، من متاجر بيع التحف القديمة وأسواق الخردة من أنحاء المدينة المختلفة. يآلهي إن تلك الأشياء تمنحني شعوراً مختلفاً، بأنني على الدوام أعيش تفاصيلاً مختلفة من حياتي، بعيدة عن تلك الطاقة التي استنفذتها في اكلا الشوكلا لستة أشهر، برفقة نساء لم يستطعن أن يفهمن لماذا لازلن نقيم وزناً للحب والفن والحروب القديمة!
من يريد متابعتي على تويتر على هذا الرابط:
















05 ابريل, 2011 10:21 ص